الشيخ محمد رشيد رضا
92
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لا تَعْلَمُونَ ) وفيه انه لم يفرق في التقليد بين القطعي المعلوم من الدين بالضرورة وهو لا يجوز التقليد فيه البتة بل لا محل له وبين الأمور الاجتهادية كاحكام القضاء وسياسة الأمة وهذا هو الذي يشترط فيه القدرة على النظر والاستدلال ، ولم يفرق بين اتباع النبي المعصوم فيما يبلغه عن اللّه تعالى لمن قامت عنده الحجة على نبوته فهو لا يكون الا محقا - وبين المجتهد الذي لا يمكن العلم بأنه محق الا بالوقوف على دليله وفهمه ، وقوله تعالى ( فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ) * في طلب السؤال عن أمر قطعي معلوم بالضرورة وهو كون الرسل رجالا يوحى إليهم - لا عن رأي اجتهادي وقال الجلال وغيره : لا يعقلون شيئا من أمر الدين . وتعقبه الأستاذ الامام بقوله : عقل الشيء معرفته بدلائله ، وفهمه بأسبابه ونتائجه ، وأقرب الناس إلى معرفة الحق الباحثون الذين ينظرون في الدلائل بقصد صحيح ولو في غير الحق ، لان الباحث المستدل إذا أخطأ يوما في طريق الاستدلال أو في موضوع البحث فقد يصيب في يوم آخر ، لأن عقله يتعود الفكر الصحيح ، واستفادة المطالب من الدلائل ، وأبعد الناس عن معرفة الحق المقلدون ، الذين لا يبحثون ولا يستدلون ، لأنهم قطعوا على أنفسهم طريق العلم ، وسجلوا على عقولهم الحرمان من الفهم ، فهم لا يوصفون بإصابة لان المصيب هو من يعرف أن هذا هو الحق ، والمقلد إنما يعرف أن فلانا يقول إن هذا هو الحق ، فهو عارف بالقول فقط ، ولذلك ضرب لهم المثل في الآية الآتية بعد ما سجل عليهم الضلالة بعدم استعمال عقولهم ( فان قيل ) ان الآية إنما تمنع اتباع غير من يعقل الحق ، ويهتدي إلى حسن العمل والصواب في الحكم ، ولكنها لا تمنع من تقليد العاقل المهتدي ( نقول ) ومن أين يعرف المقلد ان متبوعه يعقل ويهتدي إذا هو لم يقف على دليله ؟ فان هو اتبعه في طريقة الاستدلال حتى وصل إلى ما وصل على بصيرة فان الآية لا تنعي عليه هذا ، إذ هو استفادة للعلم محمودة لا تقليد في المعلوم أو المظنون لغيره . قال الأستاذ الامام : رأيت لبعض السلف أنه قال : لو أن شخصا رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حياته وسمع قوله واقتدى به من غير نظر في نبوته يؤدي إلى الوصول إلى اعتقاد صحتها بالدليل لعد مقلدا ، ولم يكن على بصيرة كما أمر اللّه المؤمن ان يكون ( وأقول ) ان هذا مأخوذ